إيمانويل سويدنبورج.. “اللاهوتي المتصوف”

في مثل هذا اليوم يتم تنظيم احتفالات في جميع أنحاء العالم بمناسبة ميلاد "إيمانويل سويدنبورج" وهو رجل العلوم السويدي العظيم واللاهوتي الذي عرف بـ "المتصوف"، ويحل اليوم الموافق الـ 29 من يناير الذكرى الـ "333" على ميلاده.هو إيمانويل سويدبرج أو "سفيدبرج"، من مواليد 29 يناير 1688، ستوكهولم، السويد عالم سويدي، صوفي مسيحي، وفيلسوف وعالم لاهوت كتب بكثرة في تفسير الكتاب المقدس على أنه كلمة الله المباشرة، كان والده، جيسبر سويدبرج، عضوًا بارزًا في رجال الدين السويديين، وقسيسًا بالمحكمة، وأستاذًا في اللاهوت في جامعة أوبسالا، ثم أسقف سكارا فيما بعد.كانت حياة إيمانويل سويدنبورج في بدايتها يسودها التفكير العقلاني، وذلك من خلال ارتباطه بالعلوم الفيزيائية، فبعد تخرجه من جامعة أوبسالا عام 1709، قضى "سويدنبورج" الشاب خمس سنوات في الخارج، وانبهر بالرياضيات والعلوم الطبيعية، وكان دائم السفر والترحال فقد زار إنجلترا، وهولندا، وفرنسا، وألمانيا، والتقى ببعض ممثلي العلوم الجديدة هناك وتعلم المهارات الميكانيكية العملية، وازدهرت عبقريته وابداعاته الميكانيكية في هذا الوقت، وتراوحت تكهناته من طريقة لإيجاد خط طول أرضي من القمر إلى طرق جديدة لبناء أرصفة وحتى اقتراحات مبدئية للغواصة والطائرة.وبعدما عاد إلى السويد في عام 1715 سرعان ما بدأ في نشر أول مجلة علمية تسمى Daedalus Hyperboreus، حيث كتب العديد من التقارير عن مشاريعه واكتشافاته واختراعات كريستوفر بولهيم، وأبرز المواهب الميكانيكية في السويد في ذلك الوقت، ما جعل الملك "تشارلز الثاني عشر" بتعينه مساعدًا للعالم "بولهيم" وقد تم تعينه بصفته مقيمًا إضافيًا "استثنائي"في المجلس الملكي للمناجم، وبعد ذلك اصبح مقيمًا.كرس "إيمانويل" قرابة الـ 30 عامًا من عمره في تطوير وتحسين صناعات تعدين المعادن في السويد، كما قام بنشر التقارير والأطروحات حول مختلف المشكلات العلمية والفلسفية ومنها "علم الكونيات، وفلسفة الجسد، والرياضيات، والإدراك الحسي للإنسان"، كما كان من وقت لآخر يقوم بعض القصائد باللغة اللاتينية، وتم نشر بعضها. وفي عام 1718 نشر أول عمل عن الجبر باللغة السويدية، وتم تكريمه في عام 1719، وفي عام 1721 نشر عملًا عن الكيمياء والفيزياء.ومن أشهر مقولاته " هناك دلائل كثير تشير لمن يملك عقلا سليما من أن يستدرك أن هناك عوالم كثيرة بها أناس. وبالتالي إلى استنتاج مفاده أن الأجسام الضخمة مثل الكواكب، وبعضها أكبر من كوكبنا، ليست كتل فارغة تم إنشاؤها فقط للتجول بلا هدف حول الشمس، أولتتألق بضوءها الضعيف على كوكب واحد. لا، يجب أن يكون لديهم غرض أكبر من ذلك… فما هي أهمية وجود كوكب واحد لله اللانهائي، وأن يكون هناك الآلاف من الكواكب المأهولة، أو حتى عشرات الآلاف من الكواكب، كلها مليئة بالسكان، فهي مسألة تافهة بحيث لا تكون شيئًا تقريبًا؟ "كان "إيمانويل سويدنبورج " دائم الترحال وتُعد رحلته الثالثة لأوروبا في عام 1733 هي نقطة تحول في حياته، فأصبح من الواضح أن هذه السنوات كانت مليئة بالقراءة والتفكير بالإضافة إلى عمله العادي كموظف حكومي. في عام 1734 نشر في لايبزيغ كتابه Opera Philosophica et Mineralia "الأعمال الفلسفية والمنطقية" في ثلاثة مجلدات، أولها، Principia Rerum Naturalium "مبادئ الأشياء الطبيعية"، ولذي يحتوي على فلسفته الناضجة للطبيعة، وفي هذا العمل توصل بالحجة الاستقرائية إلى عدة استنتاجات تشبه نظريات العلماء المعاصرين، والتي انطقلت من فرضية " أن المادة تتكون من جسيمات قابلة للقسمة إلى أجل غير مسمى"، وأن هذه الجسيمات في حركة دوامية "دوامة" ثابتة، وتتكون هذه الجسيمات نفسها من جسيمات أصغر في الحركة، وكانت تلك الفكرة تشبه إلى حد كبير المفهوم الحديث للذرة كما هو موصوف بمصطلحات النواة وإلكتروناتها، وكان اقتراح "سويدنبورج" فيما يتعلق بتكوين الكواكب في النظام الشمسي مقدمة لنظرية كانط لابلاس السديم "أي أن الشمس والكواكب تأتي من سديم مشترك".ويمثل كتاب اقتصاد مملكة الحيوان Oeconomia Regni Animalis والذي كتبه بين عامي 1740 و1741، نقطة جديدة في رحلة حياته، وهو عبارة عن تحيقيق في مملكة الروح، فعندما سعى إلى إيجاد "روح" الخلق في حركة نقية، سعى الآن إلى فهم روح الإنسان والعثور عليها في مملكتها الخاصة – أي الجسد. وفي ذلك الوقت قام موقع Swedenborg بدراسة شاملة لعلم التشريح ووظائف الأعضاء البشرية، لكن "ايمانويل" لم يكن يدرس جسم الإنسان كموضوع في حد ذاته، وما كان ينوي القيام به هو تنفيذ برنامج كان قد صاغه عام 1734 – والذي يتطرق إلى فكرة "إثبات خلود الروح للحواس نفسها" فكان يعتقد "أن الروح هي الحياة الأعمق للدم وتقع في الدماغ، وتحديدًا في القشرة الخلوية".وعاش "ايمانويل" في ذروة عصر التنوير، وهي الفترة التي رفض فيها المثقفون التعاليم الدينية العقائدية لصالح العلم والعقل، ويعكس لاهوته صراعًا طويلًا لفهم عالم الروح من خلال التحقيق في العالم المادي. في النهاية، تم حل هذا الصراع عندما "انفتحت حواسه الروحية وبدأ في التفاعل مباشرة مع سكان الجنة والجحيم وعالم الأرواح بينهما" وعلى الرغم من أن كتاباته اللاهوتية مبنية على تجارب ورؤى قد تبدو غير معقولة للجمهور الحديث – كما فعلوا مع العديد من معاصري سويدنبورج – إلا أنه كان يكتب بوعي كامل لمدى صعوبة قبول رواياته. تمشيا مع تدريبه الأكاديمي المبكر، قدم أفكاره بترتيب منطقي، واستخلص أمثلة من الحياة اليومية كدليل على حقيقة كلماته، داعيا القراء إلى الحكم بأنفسهم.كرس "سويدنبورج" في الفترة الاخيرة من حياته طاقته الهائلة لتفسير الكتاب المقدس ولربط ما رآه وسمعه في عالم الأرواح والملائكة، وذلك خلال الفترة من 1749 وحتى عام 1771 كتب خلالها نحو 30 مجلدا، جميعها باللاتينية والجزء الأكبر منها مجهول، من بين هؤلاء مجلد "شرح صراع الفناء"، والذي يحتوي على تعليقاته على المعنى الروحي الداخلي لسفر التكوين والخروج وكتاب "الرؤيا"، وكتاب "الدين المسيحي الحقيقي" وهو أشهر أعماله اللاهوتية، والذي قدم خلاله مُلخصًا واضحًا بشكل مثير للإعجاب لتفكيره اللاهوتي، والذي كتب عندما كان عمره 83 عامًا.ويؤكد "سويدنبورج " على أن دخوله في مجال الدراسة اللاهوتية كان استجابة لرؤية ودعوة إلهية ؛ أن حواسه الروحية انفتحت حتى يكون في العالم الروحي بوعي كما في العالم المادي ؛ وأن السلسلة الطويلة من الأعمال التفسيرية واللاهوتية التي كتبها تشكل وحيًا من الله لعصر جديد من الحق والعقل في الدين. علاوة على ذلك، اعتبر أن هذا الإعلان الجديد عن الله كان المقصود بالمجيء الثاني. بسبب تجاربه في العالم الآخر، غالبًا ما يُنظر إلى سويدنبورج إما على أنه "وسيط" روحاني أو صوفي، ولكن في حساباته الجافة الواقعية للعالم الروحي وفي لاهوته المنطقي بدقة، فإنه يحتفظ بالفعل بموقفه مدى الحياة الباحث العلمي والفلسفي.كما أشار أيضًا إلى أن القوة والحياة اللانهائية وغير القابلة للتجزئة في كل الخليقة هي الله. يؤكد في لاهوته الوحدة المطلقة لله في الجوهر والوجود، ويمثل الآب والابن والروح القدس ثالوثًا من الصفات الأساسية في الله. "الحب والحكمة والنشاط" يتكرر هذا الثالوث الإلهي في البشر على شكل ثالوث الروح والجسد والعقل.كما كان يؤكد على أن "كل الخليقة لها أصلها في الحب والحكمة الإلهيين وأكدت أن كل الأشياء المخلوقة هي أشكال وتأثيرات لجوانب محددة من هذا الحب والحكمة وبالتالي "تتوافق" على المستوى المادي مع الحقائق الروحية. ومع ذلك، فإن نظام الخلق الحقيقي هذا قد تم إزعاجه بسبب سوء استخدام الإنسان لإرادته الحرة. لقد حوّل محبته عن الله إلى غروره، وهكذا دخل الشر إلى العالم".وتوفي في لندن في 29 مارس في عام 1772، ودُفن في الكنيسة السويدية، ميدان الأمراء ثم تم نقل رفاته إلى السويد في عام 1908، وبعد فترة وجيزة من وفاته أنشأ أتباع مخلصون له مجتمعات سويدنبورجية كُرست لدراسة فكره، وشكلت هذه المجتمعات نواة كنيسة القدس الجديدة، أو الكنيسة الجديدة، والتي تسمى أيضًا سويدنبورجيانز.

المصدر : البوابة نيوز